الشيخ محمد النهاوندي
496
نفحات الرحمن في تفسير القرآن
غير المستحقّ على من هو أحقّ قبيح ، كتقديم أبي بكر على عليّ أمير المؤمنين عليه السّلام في الخلافة . ثمّ أعترضوا ثانيا ، بقولهم : وَ الحال أنّ طالوت لَمْ يُؤْتَ ثروة ولم يعط سَعَةً مِنَ الْمالِ فيشرف بالمال إذا فاته شرف الحسب ، بل هو فقير معدم ، لا مال له كي يتقوّى به في تأسيس ملكه وسلطانه . قيل : كان راعيا ، وقيل : مكاريا « 1 » ، وقيل : دبّاغا ، وقيل : سقّاء « 2 » . قالَ النبيّ ردّا عليهم إِنَّ اللَّهَ بحكمته اصْطَفاهُ واستخلصه للملك واختاره عَلَيْكُمْ وليس لكم أن تعترضوا على اللّه في ما اختاره واصطفاه . ثمّ بعد الجواب الإجمالي ، شرع في الجواب التّفصيلي بقوله : وَزادَهُ بَسْطَةً وسعة فِي الْعِلْمِ بأحكام الدّين وسياسة الملك وشؤون الحرب ، وَ بسطة في الْجِسْمِ وعظمة في الجثّة ، وطولا في القامة ، وشدّة في البطش . في أنّ عليّ بن أبي طالب عليه السّلام كان أحقّ بالخلافة من غيره وتوضيح الجواب : أنّ شرافة النّسب ، وكثرة المال ليستا من الكمالات الحقيقيّة ، وممّا له دخل في لياقة الملك وأهليّة الإمارة ، وإنّما الدّخيل في استحقاق هذا المنصب العلم بأحكام الدّين ، وسياسة الملك ، وعظمة الجسم ، وكمال القوى ، والشّجاعة . فبالعلم تدبّر المملكة وتنظم الأمور ، وبالجسامة تعظم مهابته في الأنظار ، وبالشّجاعة يكايد الأعداء ، ويقاوم في الهيجاء ، ولذا كان أمير المؤمنين عليّ بن أبي طالب عليه السّلام أحقّ بالخلافة من سائر الصّحابة ؛ لأنّه كان أعلم وأزهد وأشجع من جميع النّاس بعد رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله فكان بخلافته أولى ، وهذا مع قطع النّظر عن اصطفائه [ من قبل ] اللّه ونصبه بالنصّ الصّريح على ولايته . قيل : كان طالوت أطول من جميع بني إسرائيل برأسه ومنكبه ، حتى إنّ الرّجل القائم كان يمدّ يده فينال رأسه ، وكان أجمل وأقوى من جميعهم . وَاللَّهُ الذي بيده الملك والملكوت يُؤْتِي مُلْكَهُ مَنْ يَشاءُ من عباده . وفيه دلالة على أن لا ملك لغيره وَاللَّهُ واسِعٌ حكمة وفضلا ورحمة ، فيوسع على الفقير ويغنيه عَلِيمٌ بمصالح العالم وقابليّات بني آدم . في اعتراض الفخر الرازي على الإمامة وجوابه قال الفخر : هذه الآية تدلّ على بطلان قول من يقول : إنّ الإمامة موروثة « 3 » ، ولعلّ
--> ( 1 ) . المكاري : هو الذي يكري ، أي : يؤجّر الدّواب - من البغال والحمير - لغيره . ( 2 ) . تفسير الرازي 6 : 173 . ( 3 ) . تفسير الرازي 6 : 173 .